جمال الدين بن نباتة المصري
تصدير 9
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
بالكفاف ؛ ثمّ تظلّ الديار المصرية الفتن والزعازع الهوج ، ويشيع الانقسام بين الأمراء ؛ وتحاك الدسائس في قصور المماليك ؛ وتروى أحاديث السلب والنّهب في كل مكان ؛ فيضيق لكل ذلك صدره ؛ ويتشعّب فؤاده ؛ وينوى الرّحيل عن وطنه الحبيب ؛ وإنّ أضالعه لتنحنى على الهمّ والأسى ، أن يفارق مسقط رأسه ؛ وملهى حداثته ، وملتقى أخدانه وأترابه . مواطن أهلي ثمّ صحبى وجيرتى * وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها وفي سنة 716 سافر إلى الشام - على ما ذكره ابن حجر - واتّخذ دمشق له مستقرّا ومقاما ؛ وفيها لقى والده شمس الدين ؛ وقد كان سبقه بالرّحلة إليها وتولّى دار الحديث النّورية بها ، فكان كلّ ما يحصل له ينفقه على أحفاده أولاد جمال الدين ؛ وهناك طاب له العيش ؛ وأخلد إلى شيء من راحة وسكون « 1 » . وكان إسماعيل بن علي بن محمود الملك المؤيّد المعروف بأبى الفدا ، أحد الأمراء الايّوبيّين الذين تولّوا حماة من قبل الملك الناصر ؛ ومنحه استقلالا بها ، وكان رجلا فاضلا ؛ وعالما نحريرا ؛ له مشاركة في شتّى العلوم والآداب ؛ في الفقه والتّفسير ، والأصول ، والنحو ، والتاريخ ، والموسيقى ، وتقويم البلدان ؛ وله في ذلك مؤلّفات ؛ والملك سوق يجتلب إليه ما ينفق عنده ؛ لذلك هوت إليه أفئدة العلماء ؛ ورحل إليه الشعراء ؛ وقيلت فيه المدائح والمطوّلات ؛ فمنح الجزيل ، وأعطى الكثير ؛ وغدت ساحته بحماة مربدا وعكاظا . فلم يجد ابن نباتة بدّا من التّوجّه إليه ، ووصل حبله بحباله ، كما ذهب إليه من قبله صفّى الدين الحلّى والشهاب محمود الحلبي وغيرهما ؛ وما إن حلّ بساحته ،
--> ( 1 ) الدرر الكامنة 4 : 217